ابن الجوزي

158

زاد المسير في علم التفسير

قوله تعالى : ( قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم ) وذلك أن القوم كانوا يدعون أن الله أمرهم بما هم عليه ، فلذلك سموه ملة . ( وما يكون لنا أن نعود فيها ) أي : في الملة ، ( إلا أن يشاء الله ) أي : إلا أن يكون قد سبق في علم الله ومشيئته أن نعود فيها ، ( وسع ربنا كل شئ علما ) قال ابن عباس : يعلم ما يكون قبل أن يكون . قوله تعالى : ( على الله توكلنا ) أي : فيما توعدتمونا به ، وفي حراستنا عن الضلال . ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) قال أبو عبيدة : احكم بيننا ، وأنشد . ألا أبلغ بني عصم رسولا * بأني عن فتاحتكم غني قال الفراء : وأهل عمان يسمون القاضي : الفاتح والفتاح . قال الزجاج : وجائز أن يكون المعنى : أظهر أمرنا حتى ينفتح ما بيننا وينكشف ، فجائز أن يكونوا سألوا بهذا نزول العذاب بقومهم ليظهر أن الحق معهم . قوله تعالى : ( كأن لم يغنوا فيها ) فيه أربعة أقوال : أحدها : كأن لم يعيشوا في دارهم ، قاله ابن عباس ، والأخفش . قال حاتم طيئ : غنينا زمانا بالتصعلك والغنى * فكلا سقاناه بكأسيهما الدهر فما زادنا بغيا على ذي قرابة * غنانا ، ولا أزرى بأحسابنا الفقر قال الزجاج : معنى غنينا : عشنا . والتصعلك : الفقر ، والعرب تقول للفقير : الصعلوك . والثاني : كأن لم يتنعموا فيها ، قاله قتادة . والثالث : كأن لم يكونوا فيها ، قاله ابن زيد ، ومقاتل . والرابع : كأن لم ينزلوا فيها ، قاله الزجاج . قال الأصمعي : المغاني : المنازل ، يقال : غنينا بمكان كذا ، أي : نزلنا به . وقال ابن قتيبة : كأن لم يقيموا فيها ، ومعنى : غنينا بمكان كذا : أقمنا . قال ابن الأنباري : وإنما كرر قوله : ( والذين كذبوا شعيبا ) للمبالغة في ذمهم ، كما تقول : أخوك الذي أخذ أموالنا ، أخوك الذي شتم أعراضنا . قوله تعالى : ( فتولى عنهم ) فيه قولان : أحدهما : أعرض . والثاني : انصرف ( وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ) قال قتادة : أسمع شعيب قومه ، وأسمع صالح قومه ، كما أسمع نبيكم قومه يوم بدر ، يعني : أنه خاطبهم بعد الهلاك . ( فكيف آسى ) أي : أحزن . وقال أبو إسحاق : أصاب شعيبا على قومه حزن شديد ، ثم عاتب نفسه ، فقال : كيف آسى على